ويعلل باحث آخر بأن ما يسيطر على أصحاب النزعة الرومانسية من قلق نفسي ، وما يصاحبه من عوارض أخرى مرده إلى " عدم توازن القوى النفسية عند هؤلاء الشعراء الذين طغى الشعور عليهم بذات أنفسهم طغيانا دفعهم إلى النقمة على كل ما هو موجود ، والتطلع إلى ما لا يستطيعون تحديده ، خاصة في عالم السياسة والخلق والأدب " (3) .

     كما أن القلق النفسي وما يصاحبه من تشاؤم طبيعية في سن الشباب ، سن التبرم والضيق والانطوائية ، وعدم المواءمة بين الواقع وأحلام الأرواح الفتنة ، وآمالها الواسعة ) وقد انعكست تلك الأعراض على أحاسيس ومشاعر القصيبي فقال ( من الكامل ) :

         ورجعت للدنيا . . أجر كآبتي **** خلفي .. أقوم مع الجموع وأقعد

        أخفيت عن كل العيون مواجعي ****   فأنا الشقي على السعادة أحسد

        وأنا العليل أحس أدواء الورى *******  وأنا المرقط بالجراح أضمد

        وأنا المقيد  والعناة  تحف  بي  **** وأنا البخيل يزوره المسترفد (4)

    ولا يقف الأمر بالشاعر القلق عند حد الكآبة ولتمزق النفسي والتبرم من كل ما يحيط به ، بل نجد احزن أيضا من الظواهر المصاحبة لهذا القلق ، ذلك الحزن الذي يسيطر على الشاعر إلى حد اليأس ، رغم إخفاء مظاهره عن الآخرين وإدعائه الفرحة ، ورسم ابتسامة باهتة على شفتيه . وإلى جانب الحزن لا يستطيع التخلص من الحيرة والتمزق الداخلي اللذين يصاحبانه في رحلة الحياة لمؤلمة . يقول ( من مجزوء الرجز ) :

                 كقطرة من مطر  ـــــ تسلقي ، تسوري

               وطالعى تمزقي   ــــــ وشاهدي تحيري

               تأملي العذاب كالضبا  ـــــ ب في تفكري

               وفرقى القناع عن ـــ زيفي .. وعن تنكري

               أضحك للناس وفي ـــ روحي دموع الأعصرِ

               وأدعي الفرحة والحز ــــ ن سمير سمري

               تصوري هذا الخداع ـــــ كله تصوري (5)

     وغالبا ما يترجم القلق والحزن عند القصيبي إلى خوف وأوهام وهموم تلاحقه إن اتجه أو استقر ، ويهده الألم ، ويقيد خطوه اليأس ، ويحتويه طريق الضياع . يقول من قصيدة بعنوان " قافلة الضائعين " (6) ( من المتقارب ) :

حواني طريق الضياع الطويل

وجاء المساء

وأبصرت أسباحه الواجمة

تحملق في

وظلت تردد في مسمعي :

إلى أين تمضي وهذا الطريق

بدون رجوع ؟

وضج بأذني عويل الرياح

وروعني من وراء الكهوف عواء الذئاب

وخلف انحناء الدروب رأيت عيون الوحوش

وكدت أعود

ولكن سدا رهيبا أطل

يسد على طريق الرجوع .

     والحيرة والملل وتمزق الفكر من الرواسب النفسية التي يخلفها القلق في أعماق الشاعر ، حيث غدا يجر خلفه أذيال اليأس ، وخيبة الأمل ، ينفث زفراته الحري من آن لآن . فاسمعه يقول ( من البسيط ) :

       هل تستطيعين إنقاذي من الملل  ـــ هل ستطيعين إرجاعي إلى مثلي

      أنا أمامك .. أفكار ممزقة  ــــــ وحيرة .. ( تماس ) ضائع السبل

      لم ترشف من ينابيع الرضا لقافلتي ــــ ولم تنور براكين السنى مقلي  

      ما زلت أبحث عن درب لقافلتي ـ  ما زلت أبحث عن مغنى لمرتحلي (7)

   واليأس والأوهام ، والآلام النفسية عناصر يفضي بعضها إلى بعض في قناة القلق النفسي الذي لا ينفك ملازما للشاعر يتعقبه من وقت لآخر ، ومن درب إلى درب ، حتى أصبح ديدنه الذي لا مفر منه , وغدا ملمحا من ملامح ذاته الحزينة , نلحظه في كثير من قصائده , بل شكلت ألفاظ اليأس والأوهام والأحزان , والأم والكآبة والضيق والتبرم , وما إلى ذك من ألفاظ معجمه الشعري المميز ( يقول من البسيط ) :

      لجأت من قسوة لأيام .. فابتسمي ـــ وكفكي وحشة الضيف الذي لجأ

      تأمليني ! أنا الجرح الذي هربت ــ منه الأساة ... أنا الجرح الذي نكئا

      تأمليني أنا الإصرار منهزما ـــ واليأس محتدما .. والجمر منطفئا (8)

ويقول في قصيدة أخرى ( من الرمل ) :

أنت يا ذات العيون الساحرة

تتسلِّين بنقش الصفحات العاطرة

وأنا أسكن في يأس الجراح الغائرة

أنت لا تدرين ما الحزن..

ولا عرس المعاناة

ولا حلم النفوس الصابرة . (9)

   والتشاؤم والتبرم والضيق ذرعا بالحياة مسرب من  مسارب القلق النفسي يصب فيه ويتغذى منه , وقد يصاحبه حيرة وتساؤلات فلسفية حول رحلة الإنسان ووجوده ,ودوره في هذا الكون المليء بالتعمية والألغاز ووقوفه عاجزا أمام لغة هذه الحياة وسرها الدفين ,

يقول من ( الرمل )

         إنني أجهل حتى مقصدي ــــــــ أتمنى أنني لم أولد

         أنا في قفر حياتي ضائع ــ سار في الركب بخطو مجهد وئد

         لفنى الليل ... فما أدري وقد ــــ وئد النور , بماذا أهتدي

         أين أمضي ؟ يا سؤالا لم يزل ــــ ظامئا يقرع سمع الأبد

         هذه الرحلة ما أغربها ـــــ أترى ندري مداها في غد (10)

    وفي أحايين كثيرة يكاد القلق النفسي وما يصاحبه من أعراض نفسية أخرى أن يودي بالشاعر فيدفعه إلى تمنى الموت ، لأنه ـ ومن وجهة نظره ـ يعد الخلاص مما علق بنفسه ومما يسيطر عليها من أوهام وهموم وشك وتشاؤم وحيرة وتساؤلات لم يجد لها جوابا . يقول ( من المتقارب ) :

لماذا أعيش

لماذا أودع يوما وأرقب يوما

ويدفن عام ويولد عام

وما في الحياة جديد

تمر على الليالي

مكفنة بوجوم عميق

تراقص فيه ظلال الملل

سجون مغلفة بالأسى

تسمى حياة

وماذا أريد

مصابي .. أني أجهل ماذا أريد

.......

إلهي ! .. سألتك : " خذني إليك "

فإن حياتي ضاقت على " (11) .

 

ثانيا ـ الشعور بالوحدة والإحساس بالغربة والضياع :

      لقد أحس الإنسان العربي بالغربة . هذه الغربة ، التي كانت نتيجة طبيعية لهذا التغير المفاجئ ، والتبدل الطارئ الذي اعترى الحياة الاجتماعية على أرض الخليج عامة ، لذلك نجد الشاعر يحلق بأشواقه على أجنحة الخيال بعيدا عن عوالم الواقع الموبوء بالآثام والشرور ، والنفور من أدواء المجتمع ، وعدم الاستقرار الروحي والمادي معا ، كل ذلك ولد في نفسه حب العزلة والانطوائية الذاتي يقول ( من الرمل ) :

مر بالكون غريبا

ومضى يدفن في المجهول أياما

قصيرهْ

مغرقا في لجة الموت أمانيه

الكسيره

فإذا ما جمع الليل الندامى

وأطل الفجر مدوها كمن

ينعى حبيبا

فاخبريهم أنه مات غريبا

       ويحدثنا د / عبد القادر القط عن الغربة والضياع في جوف المدينة فيقول : " يتحول الإحساس بالغربة والضياع في المدينة عند الشاعر إلى شعور بضياع وجودي أعم وأعمق من ذلك الذي ينبع من العجز عن مواجهة الحياة والناس في المدينة ، . فهو قلق النفس الرومانتيكية المشدودة بين أحلام غائمة ، لا تدري كنهها ، ولا  تدرك مداها ، وهو تمرد على الحياة النمطية الرتيبة التي تقتل في النفس الانطلاق والتجدد " (13) . وقد مثل القصيبي الغربة والضياع في المدينة أفضل تمثيل عندما صور إحساسه الرافض لهذه الغربة الروحية والمادية معا ، المتجسدة في صخب المدينة وضجيجها فقال من ( الرمل ) :

أيها الناس ! قفوا فالميت شاعر

كفنوه بالأزهار وبالورد الندي

واقبسوا آخر لمح

شع في الوجه الرضي

ادفنوه في رحاب المعبد المهجور ..

إنه قد مل ضوضاء المدينة (14) .

      ويشكل الحنين مظهرا من مظاهر الغربة ، والمرأة الحبيبة واحدة من هذه المحسوسات التي ناجها الشاعر وحن إليها فهو يقول :

        أنا وحدي اجر عبء حنيني ـــ أنا وحدي .. فشاطريني شجوني

       ابعثي في من سناك شعاعا ــــــ إنني تهت في ظلام السنين

       انظري لي .. أن الحنين بقلبي ــــ تتراءى ظلاله في جفوني (15)

     ويؤكد الشاعر حنينه للمرأة الحبيبة هذا الحنين الذي دفعته إليه الغربة غربة الذات وغربة الجسد وكلتاهما حركتا في أعماقه مشاعر الأمل باللقاء ونشبتا في قلبه عن بقايا لذكريات دفينة كل ذلك دفع به ليصرخ بأعلى صوته معلنا هذا الحنين إلى الحبيبة كلما تذكر الأهل والوطن .

       حبيبة لا تتركيني لليل ــــ كئيب .. وفجر شحيح السنا

       ولا تسلميني لدرب الضياع ـــ ولا تكليني لجرح الضنا

       أنا وفلول من الذكريات ـــ وصمت المساء وبقيا المنى

      أحن إليك حنين الغريب ـــ إذا ذكر الأهل والموطنا (16)

    وطبعي أن يكون الانتماء إلى تراب الوطن أهم بواعث الحنين عند الشعراء عامة وعند القصيبي خاصة فقد عشقه بكل أبعاده وسماته بعد أن سلم العيش مغتربا والجري اللاهث وراء المدنية الزائفة والتقدم المادي الكاذب .، يقول من قصيدة حب للبحرين ( 17)

 بحرين ! هذا أوان الوصل فانسكبي ــــ عليّ بحرين من دور ومن رطب

تنفسي في شجوني .. وادخلي حرقي ــ واسترسلي في دمائي .. واسكني تعبي    

وسافري في عيوني يا معذبتي ـــ بالهجر .. يا ظمأى المعطاء  .. يا سغبي   

يا فرحتي .. ورياح اليأس غاضبة ـــ يا نشوتي .. حين يذوى موسم العنب

يا ضحكتي والدموع الحمر تعصرني ــ يا واحتي  وهجير القفر يعبث بي (18)

    والقصيبي من الشعراء السعوديين بل الخليجين القلائل الذي استطاع أن يصور حنينه وغربته وقلقه النفسي أصدق تصوير ، " بل هو من أقدر الشعراء الشباب على تصوير تلك النزعة الرومانسية من حنين وغربة وقلق في أسلوب يجمع بين رصانة القديم وأصالته وإيقاعه الشجي وشفافية العبارة وحداثة بنائها وقدرتها على الإيحاء وبمستوى فوق المستوى الأول للمعنى والصورة " (19) ، ومن النماذج الشعرية الوجدانية التي واءم فيها القصيبي بين الأصالة والمعاصرة إلى جانب ما تحويه من شوق وحنين قوله من قصيدة بعنوان : أغنية للخليج  (20) من البسيط :

 أتيت أرقب ميعادي مع القمر ـــــ يا ساحر الموج والشطان والجزر

 هديتي رعشتا شوق .. وقافية ـــــ حملتها كل ما عانيت في سفري

أتيت أمرح فوق الرمل .. أنبشه ـ عن ذكرياتي القدامى عن هوى صغري

خليج ما وشوش المحار في أذني ـــ إلا سمعتك صوتا دافئ الخدر

ولا ترنم ملامح بأغنية ـــــ إلا وضحت أغاني الغوص في السهر

حتى أتيتك فامسح بالنسيم على ـ آهات جرحي ورش الموج في شرري

ـــــــــــــــ

1 ـ د . عبد الله الحامد : الشعر الحديث في المملكة ص 312 .

2 ـ القصيبي :المجموعة الشعرية الكاملة ص 147 .

3 ـ د . محمد غنيمي هلال : الرومانتيكية ص 55 .

4 ـ جليلة رضا : مقدمة ديوان شعاع الأمل لصالح العثيمين .

5 ـ المجموعة الشعرية الكاملة ص 782 .

6 ـ القصيبي : ورود على ضفائر سناء ص30 .

7 ـ المجموعة الشعرية الكاملة ص72 .

8 ـ المرجع السابق ص323 .

9 ـ القصيبي : عقد من الحجارة ص 20 .

10 ـ المجموعة الشعرية الكاملة ص 788 .

11 ـ المرجع السابق ص 206 .

12 ـ نفس المرجع ص 206 .

13 ـ نفس المرجع ص 114 .

14 ـ د . عبد القادر القط : الاتجاه الوجداني في الشعر العربي

المعاصر ص 466 .

15 ـ المجموعة الشعرية الكاملة ص 118 .

16 ـ نفس المرجع ص 30 .

17 ـ نفس المرجع ص 33 .

18 ـ نفس المرجع ص 807 .

19 ـ د . عبد القادر القط : مرجع سابق ص 467 .

20 ـ المجموعة الشعرية الكاملة ص 330 .

 

الحلقة الثالثة

 

الهروب من الواقع المرير :

     لم تكن ظاهرة التشاؤم ، والهروب من الواقع المزري ، والفرار إلى العزلة والانطوائية ، والانطلاق إلى عالم الرؤى والخيال والأحلام من الظواهر التي يتفرد بها القصيبي ، وإنما هي سمة عامة وقاسم مشترك كغيرها من الظواهر الأخرى التي تحدثنا عنها أنفا ، والتي سنتحدث عنها لاحقا بإذن الله ـ عند كثير من شعراء التيار الرومانسي العربي ، وقد تنبه الباحثون إلى شيوع هذه الظاهرة عند الشعراء فقال أحدهم ، " ولا نغلو في القول بأن الرومانسية هي حركة تشاؤمية ، كانت تلحف بذكر مظاهر الشؤم والعقم في الوجود ، وتستطلع آيات النعي في كل مطلع ، ونكره الوعي والصيرورة ، وتهرب من مواجهة الواقع في عالم الحلم والذكريات " (1)

    ويمكننا أن نلمح ظاهرة الحروب والإحساس بالتشاؤم عند القصيبي في قوله من قصيدة بعنوان " أغنية في ليل استوائي " (2)

أتيتك صحبتي الأوهام والأسقامُ ..

والآلام .. والخورُ

ورائي من سنين العمر..

ما ناء به العمر

قرون .. كل ثانية

بها التاريخ يحتضر

وقدامى

صحارى الموت .. تنتظر .

         وحول هروب الشعراء الرومانسيين إلى الأحلام يحدثنا أحد الباحثين قائلا " والحقيقة أن اللجوء للأحلام عند الرومانسيين سببه الرئيسي يكمن في كونهم يحصرون أنفسهم في الداخل من البداية ، العالم الداخلي عندهم بداية ونهاية ، وسيلة وغاية ، وهذا يجعل الكاتب منهم يلجأ بالضرورة إلى قوقعته ينسج فيها الأحلام التي تحقق له البعد عن الخارج ، أي عالم الواقع . ويظل هكذا منطويا على نفسه مستغرقا في التفكير في ذاته ليس غير " (3) . وما قاله الباحث ينسحب على القصيبي ، إذ نلمح في الكثير من قصائده حب العزلة والانطوائية ، استمع إليه يقول :

سأكتم حبك بين الضلوع

وأحيا أناجيه في وحدتي

وإن سألوني :

" أما من حبيب لديك يبادلك ..."

سأصرخ :" إني وحيد .. وحيد

بلا ذكريات " (4) .

        والقصيبي تتنازعه الحيرة حينا ، والضياع النفسي والكتابة حينا آخر . فيحاول الهروب من واقعه المؤلم المليء بكل متناقصات الحياة ، من زيف ونفاق ، وخداع ، ولكن إلى أين فلا يدري ، وإن كان يراوده أمل بالرحيل نحو الأمل ، يقول :

أريد أن أمضي بعيدا بعيد

خلف الغيوم البيض ..خلف النجوم

أريد أن أجتاز هذي الحدود

أريد أن أنسى الدُنا .. أن أهيم

لأين ؟ لا أدري ولكني

أريد أن أمضي بعيدا بعيد

أريد أن أرحل نحو الأمل . ( 5)     

     وتشتد تلك الروح التشاؤمية عند الشاعر ، فتطبق عليه وتهاجمه جحافلها من كل جانب ، فقدره مسود كشعر حبيبته ، وروحه هائمة حائرة ، وجسده متعب عليل من عناء الرحلة في عالم مزيف ، بحثا عن الحقيقة ونشدانا للمثالية ، ولكن هيهات أن يلتقيا في عالم أثقلته الآثام وكبلته الشرور يقول : " من الكامل "

قدري كعينيك أو كشعرك أسود ـــ روح محلقة وجسم مجهد ( 6)

يومي بألوان المرارة مترع ـــــ ويكاد يغرق في مرارته الغد

يأوي العذاب إلى جفوني مثلما ــ يـأوي إلى الوطن الرؤوم مشرد

حيران بتهم في الضلوع وينجد ــ ويلوب في جنبي الضياع مسافرا

اما العالم المثالي الذي ينشده الشاعر ويهرب إليه يصوره في هذه الأبيات قائلا : من البسيط .

أريده عالما لا يستبيح دما ـــــــ ولا ينقل في أوزاره القدما

أريده بسمة . لا تعرف الألما ـــ أريده ضحكة .. لا تذكر السأما

أريده دون خوف.. دون عاصفة ــ سوداء تنشر ليل الرعب والعدما

أريده يعرف الإنسان يعشقه ـــــ أريده يمنح المحروم ما حرما

أريده يمنح الأعمى نواظره ـــــ ويمنح الطفلة المشلولة القمما(7)

     وقد تمكنت النزعة التشاؤمية من الشاعر حتى جعلته يفر أحيانا إلى الماضي حيث الفطرة التي لم تفسدها المدينة أو يطلب الموت " أحيانا أخرى " لأنه السبيل الوحيد إلى التحرر والخلاص من قيود الواقع المرفوض يقول في الحنين إلى الماضي : من البسيط .

سمراء ! عشرون من عمري تعاتبني ـــ فأينا أجدر الخلين بالعتب (8)

سمراء ! هل يرجع الماضي إذا رجعت ـ رؤاه تخطر بين القلب والهدب ؟

وهل يعود إذا عدنا له زمن ــــ من البراءة ... منقوش على الحقب ؟

وهل أعود صبيا كله خجل ؟ ـــــــ وهل تعودين بنتا حلوة الشغب

       ومن ظواهر الهروب من الواقع أيضا الحنين إلى أيام الصبا والشباب وهو شعورا يعاود الشاعر كلما أخذ يرى بياضه الشيب قد بدأ يغزو مفرقه وأصبح وقع الأربعين والخمسين من السنين ثقيل على النفس إذا يوحي بالصراع بين الأنا والهموم والحزن والكتابة ويشعر بأن العمر أوشك على النهاية ويعود الشاعر القهرية إلى أيام الصبا وفورت الشباب يقلب صفحات ذكرياته ليعزي بها النفس ويخفف من قلقها وآلامها يقول :

عدت كهلا تجره الأربعون ــــ فأجيبي : أين الصبا والفتون( 9)

ملء روحي الظما ... فأين عذارى ــ وبقلبي الهوى فأين الجفون

عدت بحرين .. لا الفؤاد فؤاد ـــ مثل أمسٍ .. ولا الحنين حنين

عدت والشيب بارق عبر فودي ــــــ وعلى مقلتي غيم هتون

      وفي حوار بين الشاعر وابنته يبوح فيه بتحسره على الماضي وخوفه من الحاضر المؤلم والمستقبل الخؤون وقد حاصرته السنون وأوسعته الأيام حربا تستنزف ما تبقى لديه من عزيمة يقول :

يا دميتي ! حاصرتني الأربعون مدى ــ مجنونة...وجراحا أدمت العمرا(10)

فمن يرد لي الدنيا التي انقشعت ـــــ ومن يعيد لي الحلم الذي عبرا؟

ما الشيب أن تفقد الألوان نضرتها ـــ الشيب أن يسقط الإنسان منحدرا

وما بكيت على لهوي ولا عمري ـــــ لكن بكيت طهري الذي انتحرا

وفي طلب الموت يقول : من البسيط

مات الصبي الذي قد كان يسكنني ـــ وكنت أسكنه ..والكائنات لنا (11)

مات الصبي فلا شعر ولا فرح ـــــ ليولد الكهل دنياه أسى ووني

أقول والألم المعطاء يشنقني ـــــ أقول لو تسمعين الشجو والشجنا

أريد أن تمنحيني الموت والكفنا ــــ فقد منحتك عمري والشباب أنا

      على أن الرومانسية ليست هروبا من الواقع ,بقدر ما هي طموح ورسم لعالم جديد , يشعر فيه الفرد بالرغبة في التحرر والانعتاق من بعض القيود الاجتماعية والضغوط النفسية والانطلاق إلى عالم رحب فسيح ينشد فيه الدعة والراحة والطمأنينة عالم يخلو من الزيف والنفاق والخداع وهي الاختصار" أشبه ما تكون بمرحلة المراهقة في حياة الأمة ، حيث أحلام اليقظة ، واضحة الخيال ، وتقديس العواطف , وشرنقة الذات تلتف حول نفسه " (12) .

 

رابعا ـ الهروب إلى الطبيعة :

أحس الشاعر الرومانسي بالقلق وشعر بالحزن ، فهرب من محاصرة الكتابة إلى الطبيعة ، يتغنى بها ، وبجمالها ، وافتنانها ، وسحرها ، هجر المدينة بتصنعها ، وتكلفها وضوضائها ، وأسوارها وأنطلق إلى عالم فسيح رحب يبثه همومه وشكواه ويبني فيه أكواخ حبي وعشقه ، ويتعلم فيها حكمة القدر ، ويقرأ على صفحات أوراقها ما لم يقرأه في جدر المدينة وأسوارها . وآلاتها الصماء وينعم فيها بحفيف أشجارها . ورقصات أغصانها ، وتناغم طيورها ، وصخب أمواجها ، وخرير جداولها التي أثارت في نفسه أشجانا وذكريات ، وحركت في أعماقه لواعج الشوق فهو في حنين دائم إليها . يقول : من الخفيف

يا سرابي الوحيد طال بي السير ــــ وحيدا... وضقت بالصحراء (13)

حن عمري الشقي للواحة الخضراء ــــــ للأغنيات .. للأنداء

      ولا يكتفي الشاعر بالحنين إلى الواحة وما يظللها من خضرة وارفة . ومياه ساحرة . بل يعاوده الحنين أحيانا إلى حياة الصحراء . حياة الفطرة  والحب .والوداعة , فهو يحن إلى ليلها , وقمرها , وطيب شذاها المنبعث من نوار العرار والخزامى فيقول : من الوافر

ودعت إليك يا صحراء

ألقى جعبة التيار

أغازل ليلك المنسوج

من أسرار

وأنشق في صبا نجد

طيوب عرار

وأحيا فيك للأشعار والأقمار (14) .

      وتعتبر الطبيعة , وذكريات الماضي , من الظواهر الماضية الأساسية في الشعر الرومانسي عامة , لذلك يقول عنها " دايتش daiches " " لقد تجلى المذهب الإبداعي في مظهرين بارزين الرجوع إلى الماضي وذكرياته واتخاذه مثلا أعلى , واللواذ إلى الطبيعة , والاتصال, بها , بل الاندماج فيها " (15). وعندما لا يجد القصيبي واحته الحقيقية ، واحة الطبيعة الخلابة ، ليلوذ بها من واقع مؤلم قاس ، وحياة ملؤها الشقاء والهموم والأسى ، يهرب إلى واحة الحبيبة ، ينشد فيها الحب والأمان والراحة من هم ثقيل ، يقول من ( الخفيف) :

يا أعز النساء! همي ثقيـل ـــــ هل بعينيك مرتع ومقيل ؟

هل بعينك حين آوى لعينيك ــــ مروج خضر وظل ظليل ؟

هل بعينيك بعد زمجرة القفر ــــ غدير .. وخيمة .. ونخيل؟ (16)

      والطبيعة عند الرومانسيين بمثابة الأم الرءوم تحنو عليهم ، وتغمرهم بظلها وظليلها ، ودفئها وحنانها ، فينداحون في أغصانها ، ويتلاشون في عناقها وحبها ، ولا يفرق بينهما إلا صوت العقل ، وقلما يوقظهم هذا الصوت يقول في قصيدة "غريب! غريب! غريب " (17) من (المتقارب) جمع بين عشيقتين الطبيعة والحبيبة في عقد من الدرر:

ذكرتك عند البحيرة ..

حيث تسير القوارب..يسبح سرب

من البط والبجع المتبختر..حيث

تنام السماء على خضرة الأرض..

تستغرب الأرض من زرقة السماء ـ

هل تذكرين البحيرة حين يطل عليها

الرفيق الأنيق الرقيق الوسيم

البعيد القريب ، القمر ؟

وهل تذكرين البحيرة والصبح يمشي

وئيدا وئيدا .. لكيلا يروح آخر حلم

غفا فوق مقلة آخر حسناء من

عاشقات البحيرة ؟

      وفي أحيان كثيرة لا يكتفي الشاعر بالجمع بين الطبيعة والحبيبة ، بل يصل به الأمر إلى حد المزج بينهما ، متخذا من المرأة / الحبيبة باعثا على التغني بالطبيعة " إذ غدت المرأة بعد أن استقلت الفنية والاجتماعية المنظار الذي يرى الشاعر من خلاله بقية الأشياء خاصة الطبيعة / الأم . ولولا المرأة ما كان يمكن أن يرى الشاعر أو يحس بجمال الكون والحياة من حوله " (18) .

استمع إليه يقول مازجا بين الحبيبة والطبيعة ، (من السريع):

لا تغضبي! ما الكون أن تهجـري ــ وما رفيق الأمل المسكر ؟ (19)

وما المنى . وخما نشيد الهـوى ؟ ــــ وما رحيق الكوثر الخير

وفيم يسرى في الرياض الشـذى ؟ ـــ وفيم يحلو البوح للأنهر ؟

وفيم يشدو بلبل في الربــــا ؟ ــــ وفيم تعلو ضجة السمر؟

ويتنامى هذا المزج لتصبح عيون الحبيبة هي الطبيعة ذاتها ، فيهرب لائذا بها . يقول (من السريع أيضا) (20) :

أمرح في عينيك .. أمشي على ـــ الرمال كالطفل ..ألم المحــار

أقطع المرجان ..آوى إلـــى ـــ كهفي الذي يحوي كنوز البحار

أشارك النــورس آفاقـــه ـــ حينا .. وأغف في ظلال القفار

واتبع الدلفين فــــي رحلة ـــ حدودها شواطئ لا تــــزار

       ومن ظواهر الهروب من الواقع أيضا الحنين إلى الطفولة ، وهي ظاهرة بارزة في شعر القصيبي . فقد أثقلت الحياة وهمومها كاهله ففر إلى عالم الطفولة ، وتقمص تلك المرحلة البريئة من مراحل نمو الإنسان لعله يجد فيها ما يخفف عن نفسه آلام الواقع القاسي وينسيه أحزانه وكآبته التي ما فتئت تطارده في كل مكان .          

     يقول مخاطبا الصحراء ، ملقيا بنفسه على صدرها ، وكأنها الأم الحنون التي تحتضن طفلها بعد هجر وطول غياب ، هذا الطفل الذي أعوزه دفء الأم وعطفها ، وحب الناس وحبها ، وقد رجع يجر أذيال الهزيمة من معركة الحياة التي خاضها بسيف المشاعر والأحاسيس يقول : من الوافر :

وعدت إليك يا صحراء (21)

على وجهي ، رذاذ البحر

وفي روحي سراب بكاء

...

رجعت إليك مهموما

لأني لم أجد في الناس

من يؤمن بالناس

رجعت إليك محروما

لأن الكون أضلاع

بلا قلب

" رجعت إلى يا طفلي ؟ "

أجل .. أماه .. عدت إليك

طفلا دائم الحزن

تغرب في بلاد الله ..

          وتمثل الطفولة عند الشاعر مرحلة من مراحل العمر البريئة النقية من كل الشوائب ، فلا مكر ، ولا خبث ، ولا دهاء ولا تدنسها الغرائز التي تفرزها سنون الشباب وأيام الكهولة ، ولا تصبغها هموم الحياة وآلامها بأصباغها السوداوية لذلك يجد الشاعر فيها رمز الوداعة والأمان ، فيتمنى لو عاد طفلا لا يشغله ما يشغل الكبار من هموم الدنيا ، ولا يدنسه ما يدنس وجداناتهم من آثام ، ومن هنا لا نجده يحن إلى الطفولة فحسب ، بل ويتمنى لو عاد طفلا ويموت طفلا يقول: من الرجز (22)

لو مرة نقول : ( لا )

نطهر من نفاقنا

نموت كالأطفال أبرياء

      وفي قصيدة أخرى نجده يعتب على الزمان الذي سلب منه طفولته ، وأخذ معها كل ما هو جميل عزيز على نفسه ، وترك له وحشة الكهل ، وشراسة الإنسان يقول : من الخفيف

ثم جاء الزمان يسرق مني ــــ الأعز .. الأعز .. من أصفيائي

نهب الطيش .. والتشرد في ــ الأحداق والغوص في جفون الظباء

قتل الشعر والقوافي .. فما أنطق ــــ إلا بغصـــة خرساء...

أخذ الطفل من ضلوعي .. وأبقى ـــ وحشة الكهل في ليالي الشتاء ( 23)

      والقصيبي من الشعراء الرومانسيين الذين حاولوا الفرار من الواقع المؤلم الحزين ، إلى عالم المثل والخيال ، فلم يجد إلا عالم الطفولة الواسع الرحب البريء (24) يلوذ به وينفث فيه آهاته الحرّى ، فيطلب من حبيبة العمر ورفيقة الدرب أن يفرا إلى روضة الطفولة يمرحان ويلهوان ولو ساعتين وكفى يقول من المتقارب :

نفر فديتك ! نحو الطفولة (25)

لو ساعتين

فنأكل في الشمس تفاحتين

وألقى عليك  بفزورتين

ونغرق .. نغرق في ضحكتين

نفر فديتك ! نحو الطفولة

لو ساعتين

وإن ضاع منا طريق الرجوع

نهيم على وجهنا ليلتين

ونغرق .. نغرق في ضحكتين

 

خامسا : الهروب إلى ساحة الحب :

      تعتبر ظاهرة الهروب إلى أحضان الحب الدافئ وإفراغ الشعراء عواطفهم الملتهبة فيها من الظواهر الرئيسية إلى جانب الطبيعة في الشعر الرومانسي بوجه عام . إن الطبيعة والحب ليسا بجديدين على الشعر العربي ، " لكن الجديد فيهما ، أنهما يمتزجان بوجدان الشاعر امتزاجا يكاد يتحد فيه الوجود الخارجي بالوجود الداخلي ، فتحتمل التجربة دلالات أرحب من الدلالات المألوفة في التجربة العاطفية التقليدية ، ويصبح للشعر مستويان : أحدهما مرتبط بحدود التجربة في الواقع الخارجي ، والآخر ناطق بأشواق الإنسان العامة ، وإحساسه بالكون والحياة والمجتمع " (26) .

      والحب عند الرومانسيين يتجاذبه نوعان من العواطف ، نوع يشكل فيه الحرمان والهموم والأشواق أساس التجربة الشعورية حزينة باكية ، يائسة تظللها أشواقه وتهويماته في سماء الحب : يقول القصيبي ( من الخفيف ) :

روعة الحب في العذاب وفي الحرمان ـــ ما شئت عذبيني واحرميني (27)

      وهذا اللون من الحب يعد في نظره ضربا من الوهم يصعب تحقيقه ، كما هو انعكاس لحالة نفسية قاهرة ، وعاطفة ملتهبة جامحة يقول من الخفيف : (28)

يا ابنة الوهم ! إنما أنت في ــــ دنياي حلم على جفوني محرم

كل حظي من الهوى نظرات  ــــــ دامعات .. وخافق يتألم

وشفاه تململ الشوق فيها  ـــــــــ فأبت إن تبوح أو تتكلم

وفراغ يعربد اليأس فيه  ـــــــــــ وليال رهيبة كجهنم

ويقول من قصيدة أخرى من الخفيف أيضا : (29)

فوق أفق الخيال .. فوق حدود ـــــ الشعر ما تبعتينه في دمائي .

لهب عاصف يؤرق روحي  ــــــــ وغيوم تثور في أجوائي

      ونتيجة لتك لعواطف المكبوتة التي تحركها عواطف الحرمان ، تلونها حالته النفسية لخطوطها السوداء ، ويلفها اليأس بضبابيته القاتمة يتساءل الشاعر عما إذا كانت الحبيبة ستشاركه هذا الشعور وتحس بما في داخله من وجد وأرق وشوق وصبابة يقول من نفس القصيدة :

أتحسين يا فتاتي بما في ــــــ  نغمي من صبابة وشقاء ؟

من بعيد يأتيك في هدأة الليل ــــ حنينا مروع الأصداء (30)

     وحنين لا يجد الشاعر استجابة حقيقته من المرأة / الحبيبة لتشاركه همومه . ، وعواطفه ، ونشوته وصبابته يستسلم لليأس ، والانطواء ، ويكتم به في داخله ، يقول من المقارب :

سأكتم حبك بين الضلوع (31)

وأحيا أناجيه في وحدتي

وإن سألوني : أذقت الهوى ؟

سأصمت في حيرة الجاهلين

وإن سألوني " أما من حبيب "

لديك يبادلك " القبلات ؟ "

سأصرخ : " إني وحيد .. وحيد

 بلا ذكريات " .

     ورغم يأسه واستسلامه للوحدة والعزلة ، ورغم كتمان حبه بين ضلوعه ، فإن بارقة من أمل تلوح في سماء أشواقه فتنير قلبه ، وتفتح أمامه دروبا جديدة لحياة مليئة بالأماني . يقول من المتقارب :

أراك وراء ليالي الجفاف  ـــــ خيالا يموج بشتى الصور(32)

ففي ناظريك أماني الحياة  ــــــ وفي شفتيك ابتسام القدر

وألمح وجهك عبر الفضاء  ــــــ يضيء بها لآته كالقمر

    غير أنا الحبيبة تبقى عنده حلما مستترا يبحث عنه على أمل اللقاء به . يقول :

أحن لطيفك عند الشروق  ـــــ وأشتاق خطوك عند السحر (33)

فأينك ؟! أين ترى توجدين ؟  ــــ وفي أي أفق بعيد السفر ؟

ومن أنت ؟ يا من وهبت الشباب  ـ لها .. وهي حلم نأي واستتر

فتاة الخيال ! لنا موعد   ـــــــ أعيش على يومه المنتظر

     ولكن أي يوم هذا الذي ينتظره الشاعر ليلتقي فيه الحبيبة ، وقد نأت عنه ووقفت دونها حواجز الواقع الاجتماعي ، لتحول دون تحقيق اللقاء ، وتعود إليه أصداء أغانيه خيبة أمل مرة ، وإحساسا قاتلا بالحرمان واليأس والفشل . فالحب في نظره وهم كبير ، وضرب من الخيال ، بل عاد كذبا وخداعا ونفاقا ، لذلك يطبب من الحبيبة أن تقطع ما بينها وبينه من أواصر المحبة والوجد والهوى . يقول من الرجز :

صديقي ! انفضي يديك من هواي ( 34)

من عمري الشريد .. من أيامي العجاف

من دمعة فاض بها صباي

من لوعة تحضنها دماي

لا تسألي " ألم تزل تحبني ؟!"

فالحب يا صديقتي وهم كبير

ويقول في قصيدة أخرى من الرمل :

أيها الحب لقد آن الفراق  ــــ لم يعد في قلبي الدامي اشتياق

عبث اليأس بأشواق الصبا   ــــ مثلما يعبث بالبدر المحاق

كل ما نزعمه عن حبنا ــــــــ كذب .. كل أغانينا نفاق

     وقد تجلى في هذا النوع من الحب عنده مظاهر الطهر والعفة ، وتلون بألوان المشاعر النبيلة والأحاسيس المرهفة ، التي ينظر الشاعر من خلالها إلى الحبيبة بأنها فتاة أحلامه التي ينبغي أن يحفها بسياج من المحبة والسعادة التي يحقق من تواجدها حلمه ولو في كوخ على هام السحب . يقول من المتقارب :

تعالي دقائق نحلم فيها  ــــــ بنافورة من رذاذ القمر

بأرجوحة علقت في النجوم ــ بأسطورة من حديث المطر

بكوخ على الغيم .. جدرانه  ــ ظلال . وأبوابه من زهر

بخيمة عطر .. يعب الغروب ــ شذاها ويسكر فيها السحر

ــــــــــــــ

1 ـ إيليا الحاوي : الرومانسية في الأدب الغربي والعربي ص 46

2 ـ المجموعة الشعرية الكاملة ص 768

3 ـ د/ سيد حامد النساج : الرومانسية والواقعية ص 19

4 ـ المجموعة الشعرية الكاملة ص 55

5 ـ نفس المرجع ص 68

6 ـ نفس المرجع ص 779

7 ـ نفس المرجع 531

8 ـ نفس المرجع ص 810

9 ـ نفس المرجع ص 681

10 ـ نفس المرجع ص 696

11 ـ نفس المرجع ص 802

12 ـ د. ماهر حسني فهمي :تطور الشعر العربي للحديث في منطقة الخليج ص70

13 ـ المجموعة الشعرية الكاملة ص 16

14 ـ نفس المرجع ص 264

15 ـ litt and society daiches p 170 -by -  نقلا عن الشعر المعاصر على ضوء النقد الحديث مصطفى السحرتي ص 214

16 ـ المجموعة الشعرية الكاملة ص 663

17 ـ المرجع السابق ص 742

18 ـ علوي الهاشمي ما قالته النخلة للبحر ص 171

19 ـ المجموعة الشعرية الكاملة ص22

20 ـ المرجع السابق ص 471

21 ـ المرجع السابق ص 262

22 ـ المرجع السابق ص 335

23 ـ عقد من الحجارة ص45

24 ـ انظر القصائد التي يلمح منها الحنين إلى الطفولة : المجموعة الشعرية الكاملة 56 ، 84 ، 128 ، 135 ، 154 وغيرها .

25 ـ المجموعة الشعرية الكاملة 705

26 ـ د . عبد القادر القط الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر ص14

27 ـ المجموعة الشعرية الكاملة 32

28 ـ المرجع السابق ص 56

29 ـ نفس المرجع ص 16

30 ـ نفس المرجع ص 19

31 ـ نفس المرجع ص 55

32 ـ نفس المرجع ص 39

33 ـ نفس المرجع ص 40

34 ـ نفس المرجع ص 87

 

الحلقة الخامسة

 

         أما النوع الثاني من ألوان الحب الرومانسي ، فهو ذلك الحب المملوء بالرغبة الجامحة ، والطافح بالشهوة المائرة للحب الحسي الذي يصف مفاتن المرأة وقصصها الغرامية ، ويجسدها رغبة لاهثة وراء الغريزة ، وهذا النوع من الحب الحسي والنرجسي يمثل السمة الغالبة في شعر القصيبي ويظهر أواره في كل دواوينه ، حتى بعد أن عزته جحافل الكهولة .

      وسيطرة الحب الحسي على القصيبي أثر من آثار الحرمان الذي يعاني منه الشعراء في منطقة الخليج عامة بسبب الحواجز الاجتماعية والعادات المتوارثة والمفاهيم الأخلاقية التي ينبغي تجاوزها . وهو إلى جانب ذلك امتداد لتأثر هؤلاء الشعراء بالمدرسة النزارية التي جعلت العلاقة التي تحكم الرجل والمرأة علاقة قائمة على تحقيق الرغبات الجنسية والشهوات المليئة بالميل إلى التواصل واللقاء ، متخطية في ذلك كل المثل والأخلاق والنظرة الطيبة للمرأة باعتبارها مخلوقا إنسانيا لا بد أن يحظى بالرعاية الحب الصادق الدافئ ، والتقدير القائم على أسس من الخلق والعقيدة .

      من هنا كان جل شعره يدور حول جسد المرأة ، في تجارب لا يبرز من خلالها صدق العواطف ، ولا الحب الشريف ، بل يطل من سياقاتها فحيح الرغبة المحمومة في إشباع نهمة الجنسي الذي يصور له جسد المرأة وفتنتها ليس غير ، بعيدا عن كل عاطفة إنسانية . يقول من ( الخفيف ) :

لم يزل في الكئوس يا لعنة الليل  ـــ بقايا .. وفي الظلام سكارى (1)

فاخطري تصرخ الغرائز حمرا ــــ وارقصي تزفر الجوانح نارا

أي إثم على شفاهك قان  ـــــــــ يتصبى الظنون والأفكارا ؟

وعلى الوجنتين .. أي خيال   ــــ من جنون الصبا المعربد ثارا ؟

     ولم تقف حسية القصيبي وحبه المحموم للمرأة عند بعض الأوصاف الظاهرة لجسد المرأة ، بل تجاوزها إلى البوح عما يشتعل في داخله من شهوة تحترق فتصور له المرأة جسد رخيصا مبتذلا ، لا يرتبط بعواطف الشاعر ومشاعره النبيلة بقدر ما يرتبط بنزواته ورغباته الجنسية الكبوتة ، يقول ( من الرمل ) :

لا تقولي " أنا أهواك ! " ..

لما في الحب من زهر وخمر

لجنون القبلة الحمقاء

لليل الذي ـ يجمعنا صدرا بصدر (2)

     ولم يكن القصيبي في حبه صادقا بحال من الأحوال ، فالحب عنده نزوة شيطانية ، وما المرأة في تصوره سوى وعاء يفرغ في شحناته الجنسية ، يبحث عنها في كل مكان ، ويستبدلها بغيرها في أي وقت يشاء ، فهي لا تعدو في عرفه سوى للتسلية وإشباع للرغبة استمع إليه يقول من ( الوافر ) :

       أحبا؟! كيف يرضى الشعر سجنا ؟ ـ أحبك؟!كيف يغريني الإسار

         ولي شوق يجن إذا يثنى ــــــــ له قد .. وشجعه سوار

        ومازالت عيون الغيد تغوى  ـــــ وما زال الصبا كأسا تدار

        وفي الدنيا نهود من رخام  ــــــ يثور على تثاؤبها الإزار

        ولي في كل عاصمة غرام ــــــ ولي في كل أمسية ديار (3)

     ويقول في قصيدة أخرى مصرحا بحبه المتقلب ، وغرامه المتغير وهي من الوافر :

             نعم!أحببت قبلك ألف مرة ــــ وذقت الحب نشوته ومره    

                الحب دنيا من خيال  ــــــ ووهما كالجنون أهيم عبره

             ...    ....

            عرفت الغيد في غرب وشرق ـ بياضا صاخبا . ونقاء سمره

          وعشت براءة الأطفال حينا  ـ وعشت ضراوة الحيوان فتره (4)

     لقد اتخذ من التعددية في العشق والغرام مذهبا يتغنى به ، وأصبحت المرأة في قاموسه نوعا من الطعام أو الشراب يسد به نهمه ، ويورى به ظمأه ، فقد تجاوز عدد النساء المعشوقات في دنياه الحصر ، وغدون أصنافا وأنواعا مختلفة ، كل صنف يرضى لونا من غروره ، أو يشبع رغبة من رغباته استمع إليه يقول من المتقارب :

وأخرى .. وأخرى يطول الطريق  ــ ويعيا الفؤاد .. ويعيا العدد (5)

فمنهن من أشتهى للخيال  ــــــــ ومنهن من أشتهى للجسد

ومنهن من طيفها كالسراب  ــــــــ ومنهن من حبها كالأبد

   ومن خلال رؤيته المتقلبة للحب والحبيبات ، أو قل العاشقات نجده في بساطة مزرية يقدم عذره إلى المرأة التي خانها وغدر بحبها وانتقل إلى أخرى يبادلها غراما بغرام ، وكأن الأمر لا يتجاوز في مفهومه حد الاعتذار يقول  من الخفيف :

اعذريني فليس قلبي عندي  ـــــــ إنه عند غادة شقراء

لم أخن حبا .. ولكن قلبي  ـــ فر مني ... في لحظة هوجاء

اعذريني .. فالنار تشتاقها الأضلاع ـ إن كابدت صقيع الشتاء (6)

     وأخيرا يعترف الشاعر بأن الطريق الذي يسلكه لا يفضي إلى الحب ، وإنما هو نزوة وإشباع رغبة ، وشهوة ، وخطيئة ، أما الحب فلفظ أجوف وأغنيات زائفة ، ليس له وجود في هذا العالم العربيد . يقول من مجزوء الكلام :

الحب ؟ أين الحب ؟ لفظ  ـــــ أجوف فقد المعاني

لا تذكروه بربكم  ـــــــ أخشى عليه من الهوان

العالم العربيد أودى  ـــــــ بالعواطف والحنان

حتى أغاني الحب زائفة ــ الصدى ... حتى الأغاني (7)

     وخلاصة القول حول تجربة القصيبي مع المرأة كما أوضحنا من خلال خطابه الشعري وكما رصدها علوي الهاشمي : إنها تور مزدوج لحقيقة المرأة ينقسم إلى : عاطفة محمومة جامحة تشبع نفسها بالخيال الموهوم ، لأن محورها الحنين والحرمان ، وإلى شوق غريزي إلى جسد المرأة نما في ظل ذلك الحرمان ، وفي غياب العاطفة الإنسانية الصحيحة والمشبعة إزاء المرأة (8) . والذي يتصفح دواوين الشاعر لا يعزه البحث عن تلك الحقيقة التي أشار إليها الهاشمي . فإن كل قصيدة من قصائده أوجلها ، والتي تتحدث عن ظاهرة الحب / المرأة يلمس منها القارئ ازدواجية نظرة القصيبي للمرأة فهي الحبيبة الطاهرة حينا وهي المرأة المتنمرة التي يجب اصطيادها والعبث بها في أغلب الأحيان ، وهذا هو ديدن الشعراء الرومانسيين الذين تربوا عالة على المدرسة النزارية .

ـــــــــــــــ

1 ـ المجموعة الشعرية الكاملة ص70 .

2 ـ نفس المرجع 233 .

3 ـ نفس المرجع ص288 .

4 ـ نفس المرجع ص 375 .

5 ـ نفس المرجع ص 194 .

6 ـ نفس المرجع ص 425 .

7 ـ نفس المرجع ص436 .

8 ـ ما قالته النخلة للبحر لعلوي الهاشمي ص180