بيئته (البصرة)

كان الجاحظ وثيق الصلة بعصره متعدد العلاقات ببيئاته المختلفة كما سنبيّنه من خلال تأليفاته فيما بعد وليس درس البيئة بالنسبة لدارس حياة الجاحظ الادبية والكلامية شيئامن نافلة القول و سنحاول الاشارة قدر الامكان الى اعمقها اثراً و اكثرها استفادة و هى بيئة البصرة فلابدلناان ندرس البصرة الى حدما و نلمح اثرها في شخصيّة الجاحظ وقدولد و نشأفيها نشأة فقيرة اذ يزعم الرواة انه كان يبيع الخبز و السمك بسيحان (احد انهار بلدته) 5 و عاش ما عاش شديد التعلق بها والحنين اليها و هو في حقيقته صورة بصرية كاملة تتمثل فيه هذه المدينة و فيها دوّن غالب تآليفه ما بين نصفى القرن الثانى والثالث و نبغ فيها حينما كان «العراق عين الدنيا والبصرة عين العراق»6 و كيف لاتكون كذلك و هى عندئذ باب بغداد الكبير و مدخل دجلتها المتدفق بضروب المتاع و انواع السلع المجلوبة من اطراف الدنيا نظير مرسيلية اليوم بالنسبة الى فرنسا أوجنوه لايطاليا وليفرل بول لبلاد الانكليز بل امتازت البصرة على تلك المرائى بنصيب اوفر وحظ اكبر اذكانت مقصدالقوافل الواردة من كل حدب و صوب و محط رجال الشرق والغرب من مجاهل الصين الى مفاوز الصحراء الكبرى و لذلك استحفل بهاالعمران و كثرت فيها المصانع والصنائع و صارت واسطة‏العرب والعجم... واصحبت حاضرة العراق و اوطنت فيها قبائل عربيّة مختلفة الاصول والانساب تشابكت في علاقات متصلة مع سكان البلاد الأصليين من الفرس والنبط والْأراميين7 و«الصنعة التجارية الغالبة على البصرة قداتاحت لهذاالشعب ان يكون خليطا من الْأجناس المختلفة التى يتّصل واياها بصلة التجارة وبذلك كانت ملتقى للنزعات المتعددة والثقافات المختلفة كما اتاحت ـ الى جانب ذلك للبصريين اَنْ يتنقّلوا بين الْأقطار المختلفة فيتصلوا بشتى الثقافات.و شهدوا مختلف الحضارات، فتتأثر بذلك عقولهم و اخيلتهم و تتسع بذلك مداركهم و مثلهم»8 كما نلاحظ الامرعند الجاحظ فانّه يقصد بغداد في عهدالمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل و كانت له ايضاً جولات واسعة الى بلاد اخرى كالروم والشام والجزاير و غيرها كمايشير اليها في الجزء السابع من كتاب «الحيوان»9 والبصرة كانت يومئذ مهدالعلم و منتدى الأدب10 و اتاحت له تلك المدينة الزاخرة بصنوف الأجناس والوان العقول و انواع الثقافات والآراء الكثيرة والمذاهب المتعددة ان يوسّع آفاقه العقلية والادبية و أن يتغلغل في النواحى المختلفة للمعرفة و بما انّ للبصرة مزاجا عقلياً يتألّف من سعة الأفق و شدّة التطلع و حرّية الرأى و سرعة الذكاء و صفاء القريحة و حب المنافسة والمبالغة بحيث تجمع الاطراف المختلفة من خصائص العقل الآرامى و الايرانى و اليونانى و الهندى و العربى و تختلف عليها الثقافات المختلفة11 كان لها اكبر الاثر في اتساع دائرة معارفه كما نرى كتابه «الحيوان» معرضاً لكل الثقافات، عربية و يونانية و فارسية و هندية والثقافات الدينية مانوية و زردشتية و دهريه و يهودية و نصرانية و الاسلام12 فالحياة البصرية حياة عجيبة تثيرالدهشة و تبعث على التطلع الى ما ورائها من عوامل و اسباب و العقليّة والبصرية عقلية ممتازة ناضجة نشيطة امدت العقل الاسلامى العربى منذاول عهده بأكثر مقوماته و اعظم مشخّصاته13 و من الطبيعى ان يكون الجاحظ عبقريّاً جامع الاطراف واديباً ذافنون مختلفة و كاتباً يعرض في كتبه الكثيرة ما يجرى في بيئته من علم و ادب و شعر و رواية و حديث و كلام و جدل و ظرافة و مجون و سياسة و فنانا دقيقاً في الملاحظة و التصوير يرى بواطن الامور و خفاياها في عرض فنى رائع و مهمايكن في الجاحظ من تناقض او تعارض فانّما يرجع الى تناقض مظاهر الحياة في هذه المدينة الّتى تأثّرا بها الجاحظ تأثّر كاملاً. و نجد في هذه المدينة عوامل متعدّدة اخرى تساعد في نشأة عقلية الجاحظ الادبية و الكلامية فمنها:

المربد14 و لما كان المربد من البيئات الادبية البصرية كان الادباء والشعراءيختلفون فيه وينشدون الاشعارويتبادلون الأحاديث وينقلون الأخبار وايضاًكان للخطباء فيه مجالس يخطبون بالعبارات البليغة في المفاخرات وغيرها ولاريب انّ الجاحظ بطبيعته‏الطلعة قداتصل بالمربد في عنفوان الصبا واقبل عليه‏حبّ واعجاب وهناك تعلّم الفصاحة البدوية التى ملى‏ء بهاكتاب البيان و التبيين واصبحت عباراته فصيحة بليغة وفهمه للحياة العربية فهماً واسعاًوكان للمربد اثره العظيم فى تقدمه‏العلمى والادبى ممايطول ذكره ومنها المسجدالجامع الذى كان الجاحظ يتردّد اليها ويستمدّ مقومات شخصية منهاو كانت تنعقد فيه حلقات لدروس مختلفة من الحديث والفقه والكلام وثمّة عرف الجاحظ المعتزليين ولحق بهم15 وقد كان المسجد في الاسلام منذ اوّل العهد به دار ندوة ومجلس سمر ومدرسة للعلم، الى جانب كونه موضعاً للصلاة ومكانا للعبادة و مركزاً للقضاء وفصل الخصومات وبذلك يمكن اعتباره بيئة مركزة تتمثل فيها الصور العقلية والنزعات النفسية والتيارات الاجتماعية لما حوله و بذلك كانت تتغيّر مشاهده وتتطوّر ظواهره بتطور الحياة العامة التى تحيط به16 فلمّا تعقدت الحياة بالبصرة و تداخلت الاجناس المختلفة فيها جعلت مجالس المسجد تزيد وتتسع و تنوع الناس الذى يدخلها كما تنوعت المسائل المعروضة فيها و اخذت تنتشر و تتعقّد شيئاً فشئياً مجاراة لتلك الحياة البصرية المعقّدة واصبحت المناظرة من ميزاتة البارزة مطبوعاً على غرار المتكلمين فلابد للجاحظ و هو يغشى تلك المجالس ان يستفيد منها كثيراً اويبنى ادبه على عقلية تلك المناظرات و منها: الاندية الادبية اوالمجالس الخاصة التى كانت تنعقد في دورالأمراء والاشراف والصبغة الادبية والكلامية كانت غالبة عليها و كانت تتردد فيها اصداء التيارات العلمية والأدبية والأجتماعية.و في كتب الادب اشارات متفرقة لأمثال هذه الاندية17 و دخلها الجاحظ و حكى مشهدا من مشاهد هذه المناظرات 18 و تكيّفت شخصيته بكيفيّتها.

و منها: بيئة الكتب او دكاكين الوّراقين التى كانت من اوسع البيئات مجالاً واكثرها افتنانا واشدها مسايرة للنزعات المختلفة فلاجرم ان كان لهااثر عظيم في تكوين الجاحظ ذلك التكوين العجيب و في طبعه بذلك الطابع المتعدد الالوان. واكتراءه دكاكين الوارقين ليلاً للمطالعة امر واضع يشير اليه اكثر مترجميه و مؤرخى الادب .

ومنها: روح الشعب او الثقافة العامة التى كان يعرفها الجاحظ منذ طفوليته و يتخذ من هذه الحياة اليومية مبدألأدبه كما كان«يتخذ من طبائع الناس و غرائزهم و منازعهم موضوعات لكتبه»19 و هى مملوءَة بتلك المعارف العامة.

و منها: نفسه الطلعة و شعوره المرهف اللذان جعلاه ان يدقق النظر فيما يراه و يخطر بباله كالناقد الاجتماعى الذى يفسر كل القضايا من كبيرها و صغيرها تفسيرا دقيقا رائعا.

ومنها: اتصاله بالوزراء و انتقاله الى بغداد و كانت عقلية المعتزلة تسود بغداد ذلك العهد وكان بيت الحكمة مركزا وسيعا للعلماء الذين يتناولون التأليف و ترجمة آثار الفلاسفة اليونانيين و ساعده الامر فيها على اكتساب معارفه الواسعة والاسلوب المنطقى اوالجدلى الذى نراه في اكثر مؤلفاته واضحا. ولكن يعتبر زهدى حسن جارالله ارتباطه بالخلفاء والبلاط عيبا له و انحرافا عن قواعد المعتزليين لأن اكثرهم كانوا من النساك المتزهدين الا من شذّ عن هذه القاعده كالجاحظ وغيره20...

وكان يكتب الكتب و يهديها الى الخلفاء و الوزراء حتى تضاعف مرضه و عاد الى البصرة فى خلافة المتوكل وربّما في السنة التى قتل فيها المتوكل(247 هـ) واستقرّبها21وكان هناك ملازما البيت حتى آخر حياته .

مذهب الجاحظ و كلامه

كان الجاحظ من المعتزلة2بل احد شيوخها23 واشتهر كلامه بين المعتزلة و هو تلميذ النظام في اعتزاله و قد اشاد به مرارا في حيوانه. والمعتزلة طائفة عُرفت في هذا العصر بكثرة الجدل و الحوار كما عرفت بسعة ثقافتها و اتصالها بجميع الوان المعارف لعصرها و خاصة المعارف اليونانية. وقال ابن قتيبة اِن الجاحظ آخر المتكلمين و احسنهم للحجة حتى انه ليعظّم الصغير وليصغّر العظيم24 وقد حمله هذا المذهب على الدخول في جدل مع المسيحية فى كتابه الردّ على النصارى و هو كتاب غير كتاب: حجج النصارى على المسلمين الذى صنّفه الجاحظ لتحذير المسلمين و تبصيرهم بجدل النصارى و براهينهم و حارب المجوسية كما دافع عن العرب في مناسبات مختلفة25 اما دفاعه عن الاسلام و احتجاجه للنبوة و الرسالة فمشهور مع انّ المسعودى يعتبر اعتزاله وعداؤه للشيعة انحرافا واضحا له الصفحة السابعة و الاربعين من الجزء الرابع من تاريخه «مروج الذهب».و الواقع ان حركة الكلام‏البصرة هى الصورة الاسلامية لحركة الدينى المسيحى الذى كان سائدا في هذا الاقليم قبل الاسلام و كما كانت تلك الحركة مطبوعة بالطابع العقلى متأثرة بالفلسفة اليونانية كذلك كانت حركة الكلام في البصرة و كان لهؤلاء المعتزلة اثر هامّ في نشأة الكلام و قيام طوائف المتكلمين

ولم يشتهر المعتزلة في العصر العباسى بجدلهم و ثقافتهم فقط بل اشتهروا بشى‏ءٍمهم و هو فصاحتهم و بلاغتهم «وان طريقتهم كانت مؤسسة على مكايلة اللفظ باللفظ و موازنة الشى‏ء بالشى‏ء والاعتماد على الجدل»26 ويظهرأنهم كانوا يعتمدون في جدلهم على الاستشهاد بالشعر.

ومع ان للجاحظ دور يذكر في هذه الحركة الجدلية الكلامية في عصره استطاع خلال اعتزاله ان ينفذ الى تأليف مجموعة من الآراء تعصبت لها طائفة من المعتزلة سميّت‏باسم«الجاحظية»27 ونترك بسط عقائد الجاحظية لضيق‏المجال.28

ادب الجاحظ

ومهما يكن من امر ما كان الجاحظ يوما رجلاً خالصا للكلام مقصورا عليه معلّقا حياته به و لعلّ الكلام لم يكن في حقيقة الامر صفته الأولى و انما ذلك هو الادب و بالادب والحياة الادبية بكل معانيها اصبح الجاحظ متعدد الصلات كثير الاصدقاء،مقدورالمنزلة في البيئات المختلفة. وقد كان اديبا قبل كل شى‏ء وكانت نزعته الادبية قوية غلّابة تمدها حيوية دافقة متجددّة و كانت صلاته بالحياة في صورها المختلفة وفى اشخاصها الرسميين و غيرهم مستمرّة قائمة على تلك

الأصول الادبية الراسخة في نفسه العاملة في تكييف حياتِه.29

نجد في كتب التاريخ و التراجم نصوصا متعددة تشير الى منزلته الرفيعة بين الأدباء و ترمز الى مكانته العظيمة بين البلغاء و هو اكبر اديب عرفته لغة العرب وتقدم عصره و لعلّه كان اول من اتّخذ التأليف صناعة له يبرز بها نفسه و تظهر فيها مواهبه و يستجيب بها لنزوعه الفنّى و من ذلك جاء الكتاب الجاحظى نمطا جديدا في التأليف يجمع بين بسط العبارة و جمالها و يتّجه الى جمهرة القرّاء على اختلاف قواهم و مداركهم، لا إلى طائفة خاصة منهم فهو عامى خاصى كما يقول نفسه عن كتابه الحيوان:«يحتاج اليه المتوسط العامى كما يحتاج اليه العالم‏الخاصى»30

و حسب‏الجاحظ منزلة أنه اوّل من جمع علوم عصره و صوّرحياة اهله و انتقد اخلاقهم و عاداتهم و اوّل من وضع الكتب الطويلة الجامعة وخلط فيها الهزل بالجدّ والمجون بالرصانة والفحش بالتعفف و الكفر بالايمان وكل شى‏ء بضده 31وكان مع هذا كله خفيف الروح حسن المعاشرة ظريف الحديث. طيب النكتة، مطبوعا على السخرو التهكم و قد نزع نظمه الى الاتباع لاالى الابتداع و هو قليل منثور في ثنايا الرسائل و الكتب كما قال البرمكى: انشدنى الجاحظ:

و كان لنا اصدقاء مضوا تفانوا جميعا فما خلّدوا
تساقوا جميعا كؤوس المنون فمات الصديق و مات العدو32

ومهما كان من امرٍ مازال الجاحظ وقد مضى عليه احدعشر قرنا في طليعة ادباء العربية و اول المثل التى يتطلع اليها كتابها و طلاب البيان كما لايزال من اصدق المصوّرين للنزعات الانسانية و ابرع المستشفين لخفايا النفوس وحنايا الضمائر و حركات القلوب. ثم هو مع هذا من اقدر الكتاب على عرض التيارات العقلية المختلفة في عصره33 ولكنه كان فوق هذا كله كاتبا اديبابكل ما تتضمّنه هذه الصفة من رهافة في الحس و خصوبة في الخيال و قوّة‏الملاحظة و دقة في الادراك و قدرة على التغلغل في دقائق الموجودات و استشفاف الحركات النفسية المختلفة و تمكن من العبارة الحيّة النابضة و التصوير الكاشف البارع الذى يبرز الصورة بشتى ملامحها و ظلالها في بساطة و دقة و جمال34.و في نفس الوقت يدرك الجاحظ اهمية اختيار الألفاظ في الْأداء واِنّ الألفاظ هى وسيلة الافصاح فانّها دالّة و لها مدلولٌ و لتخيّر الْألفاظ شروط مختلفة بعضها يرتبط بموقع الكلام في السمع و بعضها يرتبط بمخرج الْألفاظ و جرسها و نغمتها فعنى بها عناية كبيرة و في ضوء هذه التوجيهات نسج الجاحظ جمله فجاءت قوية الحبك، شديدة التماسك، غنيّة الايحاء....«وهو لايلتزم في جمله نمطا واحدا اذكان يكتب قاعدته المفضّلة: «لكل مقام مقال و لكل صناعة شكل» و بما انه تطرق الى موضوعات متباينة فقد اختلفت جمله صيغة و نظما و طولاً، امامن حيث الصيغة فقد ساق الجمل الاسمية للدلالة على الحاح و الا ستقرار و الطبع، آثر الجمل الفعلية ليبرز حركة الفاعل و يمثّل امام اعيننا نابضا حيوية و نشاطا كما هو الحال في وصفه الحال الذّبّان»35 حيث يقول في حيوانه:

«فمرَرْتُ في عشب أشب و نبات ملتف كثير الذّبان. فسقط ذباب من تلك الذبان على أنفي فطردتُه فتحول الى عيني فزدتُ في تحريك يدي ـ فتنحى عني بقدر شدة حركتى و ذبّى عن عينى... ثم عادَ الىّ فعدتُ اليه ثم عاد و انا في ذلك احثّ السيرأؤمّل بسرعتى انقطاعه عنّى فلمّا عاد نزعت طيلسانى من عنقى فذببتُ به عنّى بدل كمّى فلمّا عاودولم اجدله حيلة استعملت العدْوَ فعدوت منه شوطا لم اتكلّف مثله مذ كنتُ صبّيا وانقطع عنّى، وما صَدَّقْتُ بانقطاعه حتى تباعَدَ جدّا»36 لقد صوّر لنا الجاحظ في هذه المقطوعة معركة دارت بينه و بين الذباب و التزم باعطاء كلّ وضع حقّه من الصيغة و كان تقيده بهذا التزام شديدا بحيث برزت معه دقته و فنيّته.اما من حيث النظم

فاستعان بضروب شتى من التقديم والتأخير والفصل والوصل رغبة في زيادة قوة جمله التعبيرية و استثارة الانتباه لمعنى هامّ... فالجاحظ لجأ في نظم جمله الى انواع من التغييرات ليجعلها اشدّ ايحاءً للمعنى. و لقد دفعت هذه النزعة الحسية الجاحظ الى الاقبال على الواقع بحواسه فيتلمسه بدقة شديدة ليستوعبة بدقائقه و تفاصيله و يقف على عناصره الملموسة أو المرئية أو المسموعة كافّة فاذاماتناول موضوعا وضع نفسه مكانه ليصوّره لاكما يتصوّره ويتخّيله بل كما يعاينه و يحسّ به حواسه.37 و قد استعان بهذه القوة على الملاحظة في جميع الموضوعات التى تطرّق اليها سواء أكانت حسّية ام نفيسة والحقّ انّه برّزفى وصف مايقع تحت

الحواس و تصويره كما برّز ايضا في وصف صفات النفس و عيوبها فتتبعها و قلّبها على مختلف أوجهها و وقف على خفاياها و مقوّماتها و عللها و أسبابها و آثار افاعليها.ذلك ان الجاحظ صحب الدنيا طويلاً و تقلّب على عينه، فقد لابس صنوف الجماعات و انواع الناس ملابسة استطاع بها ان ينفذ الى بواطنهم و يظهر على ما يخالج نفوسهم و يوجههم‏حياتهم و مارس ألوان الحياة ممارسة جعلته ادنى الى فهمها و ابعد عن الافتنان بتلك الظواهر التى تتبرج للناس.38

و كتاب البخلاء حافل من هذااللون من التصوير الفنّى الذى يصوّر البخلاء ادق تصوير و يمثل انفاسهم الشحيحة احسن تمثيل. فمنها ما صوّر الجاحظ بها هيئة على الاسوارى و هو يأكل فيقول على لسان الحارثى احد من بنى عليهم كتابه:

«و كان اذا أكل ذهب عقله،جحظت عينه، و سكر و سدر و انبهر، و تربّد وجهه و عصب و لم يسمع و لم يبصر... و لم يفصل تمرة قط من تمرة و كان صاحب جمل و لم يكن يرضى بالتفاريق. و لارمى بنواة قطّ و لانزع قمعا و لا نفى عنه قشرا و لافتشه مخافة السوس والدود، ثم مارأيته الّا وكأنّه طالب ثأر و شحشحان صاحب طائلة و كأنّه عاشق مغتلم او جائع مقرور.»39

فانظر كيف استطاع الجاحظ بذلك الخيال المبدع أن يرسم هذه الصورة دون ان يغادر من مقوماتها شيئا و ان يضعها امام اعيننا دقيقة الاجزاء واضحة المعالم، جيّدة العبارة لاتكلّف فيها و لا تصنع و لا مبالغة... و قد اعانه على ان يبلغ باسلوبه هذا ذلك المبلغ من دقة التصوير و روعته لقيم الكلمات و احساسه الملهم بالضلال التى تنتشر عنها و هدايتة البالغة فى كيفية تأليفها و تنسيقهما و مزج ما بينهما حتى تؤدى الاغراض التى يعنيها و تبرزالصورالتى يتصورهابالرغم من ان الالفاظ بطبيعتها محدودة القوى.40 و يُرجع القارئ الى مشاهدة المنظر عند عدم استطاعة الالفاظ والعبارات لتصوير ما يقصده و تعبير ما يريد التعبير عنه كما

يَلجَأالى استعمال التشبيه والاستعارة عندالحاجة و هو في حقيقة الامر لا يحب ان يستعمل التشبيهات والاستعارات الّا ان يستعين بها في تصوير المشهد الذى يريد ان يمثّله امام القارئ ثم لا يهتمّ بها الا بالقدر الطبيعى الذى تحتاج العبارة اليه للوضوح و البيان كما لاحظنا التشبيه عندالكلام عن علي الاسوارى اذيقول «ثم مارأيته قسط الّا و كأنه طالب ثأر... اوجائع مقرور...» فاذن اسلوب الجاحظ في الوصف وجه من وجوه «الواقعية» الغالبة عليه و هو يريد ان يجعل ادبه صورة من الواقع الذى يراه و هو لذلك لا يستعين على كتابة البخلاء بالتاريخ او ذاكرة الماضى و انمايستعين بفكرة الحاظر والعصر الذى يعيش فيه41و يعنى عناية ظاهرة بالحديث عن طبقات الشعب المختلفة فيصور اخلاق اهل عصره و حياتهم باسلوب ضاحك هازئ ماجن ديمقراطى يدخل بين الطبقات كلها فجاءت كتبه حافلة بالاشعار والنوادر والايات والأحاديث والأمثال دون ان يهمل الثقافات الدخيلة من الفارسية واليونانية.

فهو الذى يتخذمن الحياة الجتماعية موضوعا لادبها فهو كما يتغلغل في النفوس و بواطنها يدخل في شتى مناحى المجتمع و يدقق النظر فيها و يصوّر عصرها تصويرا رائعا بحيث نستطيع ان نعرف كيف كانت حياة الشعب من اصناف مختلفة في عصر الجاحظ اذا مارجعلنا الى مؤلفاته من هذه الناحية. «و انهاتشكّل سجلّا غنيّا منوّعالحياة المجتمع العباسى نعلم بفضله كيف كانوا يعيشون في بغداد والبصرة و ما كانت مواضيع احاديثهم و ما كانت مآكلهم و مشاربهم و كيف كانت اوضاع كل حزب و كل فرقة و كل شعب من الشعوب و يزيد في قيمة هذاالسجلّ الحىّ انّه عفوى يخلو من التعقيد. ولطالما جهدالجاحظ ان يحلّل و يعمق معطيات الأختبار البديهية ليتوصّل منها الى اعتبارات عامّة تهم علم الاجتماع. فعلى هامش اللوحة التى رسمها لمجتمع عصره كان يتفق له ان يتطرق لعدة معضلات في مجالات شتى من الدين الى المجتمع، الى السياسة، الى

الأخلاق، الى العلم الخ... و كثيرا ماانتهى الى خلاصات جديرة بالاهتمام غير ان اباعثمان ما ادّعى الفلسفة يومأ على اساس مذهب مركّز و كان همّه ان يلاحظ اكثر من ان يمذهب ملاحظاته، و لكن ان اعوزه المذهب المنسجم المتكامل فما اعوَزَته الاستنتاجات والنظرات الحكمية التى قدتؤلّف على نوع ما42 و ليس يتسع مجال القول هنا لدرسها و عرضها اكثر مما بيّناه من براعة التصوير من اساليب الجاحظ الكتابية والادبية و له اساليب اخرى كالاستطرادو والاعتماد على العقل والمنطق و مزج الجد بالهزل و غيرها و سنبينها في الاعداد القادمة من هذه المجلة القيمة ان شاءَاللّه‏ تعالى و منّ علينا بانجاز الوعد واللّه‏ هوالموفّق و المعين.

الهوامش:

1.الانساب للسمعانى - الجزء الثالث - الصفحة 163-162 / معجم الأدباء لياقوت الحموى - الجزء السادس عشر - الصفحة 194

2.تاريخ الادب العربى - بروكلمن - الجزء الثالث - الصفحة 106

3.معجم الأدباء الجزء السادس عشر - الصفحة 74

4.مقدمة كتاب الحيوان - الصفحة 4-3

5.معجم الأدباء - الجزء السادس عشر - الصفحة 74

6.ثمار القلوب للثعالبى - الصفحة 127

7.تاريخ الادب العربى - بروكلمن - الجزء الثانى الصفحة 128

8.الجاحظ حياته و آثاره - طه الحاجرى - الصفحة 27-26

9.الحيوان للجاحظ - الجزء السابع الصفحة 42-41

10.تاريخ الادب العربى - احمد حسن الزيات - الصفحة 230

11.الجاحظ حياته و آثاره - طه الحاجرى- الصفحة 27

12.ضحى الاسلام - احمد امين - الجزء الثالث الصفحة 402

13.الجاحظ حياته و آثاره - طه الحاجرى - الصفحة 16

14) انه احد اسواق البصرة اوهو سوق البادية فيها تشبه اسواق العرب فى الجاهليّة.

15) زندگى و آثار جاحظ - عليرضا ذكاوتى قراگوزلو - الصفحة 20 مأخوذ من العصر العباسى الثانى الصفحة 9-588

16) الجاحظ حياته و آثاره - الصفحة 102

17) راجعوا الاغانى الجزء الثالث - الصفحة 232

18) راجعوا البيان والتبيين الجزء الاول - الصفحة 29

19) الجاحظ حياته و آثاره - الصفحة 97

20) المعتزلة - زهدى حسن جاراللّه‏ - الصفحة 233

21) ادباء العرب - الجزء الثانى - الصفحة264-263

22) الفن و مذاهبه فى النثر العربى - الصفحة 95

23) الأنساب للسمعانى - الجزء الثالث - الصفحة 163

24) المعتزلة - زهدى حسن جاراللّه‏ - الصفحة 145

25) تاريخ الادب العربى بروكلمان - الجزء الثالث - الصفحة 108

26) الجاحظ حياته و آثاره - الصفحة 223

27) الفن و مذاهبه فى النثر العربى - الصفحة 95 / تاريخ سياسى اسلام دكتر حسن ابراهيم حسن - ترجمه پاينده - الصفحة 296

28) للتعرف على هذه العقائد يمكن الرجوع الى الملل و النحل للشهرستانى - الصفحة 35-34

29) الجاحظ حياته و آثاره - الصفحة 352

30) الحيوان - الجزء الاول - الصفحة 10

31) ادباء العرب - الجزء الثانى - الصفحة 285

32) و فيات الاعيان لابن خلكان - الجزء الثالث - الصفحة 474

33) مقدمة مجموع رسائل الجاحظ و هى رسائل لم تنشر.

34) مقدمة البخلاء - الصفحة 2

35) النزعة الكلامية فى اسلوب الجاحظ - الصفحة 63

36) الحيوان للجاحظ - الجزء الثالث - الصفحة 346

37) النزعة الكلامية فى اسلوب الجاحظ - الصفحة 145

38) مقدمة البخلاء - الصفحة 55

39) البخلاء للجاحظ - الصفحة 79-78

40) مقدمة البخلاء - الصفحة 58

41) الفن و مذاهبه فى النثر العربى - الصفحة 101

42) الجاحظ و مجتمع عصره - الصفحة 82-80

المراجع والمصادر (مرتّبة على حروف المعجم)

1) ادباء العرب فى الجاهلية و صدر الاسلام - بطرس البستانى - دارمارون عبود

2) الانساب - السمعانى «اعتنى بتصحيحه والتعليق عليه الشيخ عبدالرحمن بن يحيى اليمانى - طبع: باعانة وزارة المعارف للتحقيقات للحكومة العالية الهندية.

3) البخلاء- عمروبن بحر الجاحظ - دارالمعارف بمصر- الطبعة الرابعة.

4) تاريخ الادب العربى - كارل بروكلمن - دارالمعارف بمصر- الطبعة الثالثة.

5) تاريخ الادب العربى - احمد حسن الزيات - دار النهضة مصر الطبعة الخامسة والعشرون.

6)ثمارالقلوب فى المضاف والمنسوب - ابو منصور الثعالبى.

7) الجاحظ حياته و آثاره - طه محمد الحاجرى - دارالمعارف بمصر - الطبعة الثانية.

8) الجاحظ و مجتمع عصره - جبرجميل - المطبعة الكاتوليكية - بيروت.

9) الحيوان - الجاحظ - بتحقيق عبد الاسلام محمد هارون - مكتبة مصطفى البابى الحلبى و اولاده بمصر

10) زندگى و آثار جاحظ - عليرضا ذكاوتى قراگوزلو

11) ضحى الاسلام - احمد امين - مكتبة النهضة المصرية - الطبعة السابعة.

12) الفن و مذاهبة فى النثر العربى - مكتبة الاندلس - الطبعة الثانية.

13) المعتزلة - زهدى حسن جاراللّه‏- مطعبة مصر - شركة مساهمة مصرية.

14) معجم الادباء - ياقوت حموى - مكتبة القراءة والثقافة الأدبية - الطبعة الأخيرة.

15) مجموع رسائل الجاحظ - عمروبن بحر الجاحظ- بتحقيق و شرح عبد الاسلام محمد هارون- مكتبة الخانجى بالقاهرة.

16) النزعة الكلامية فى اسلوب الجاحظ - فيكتور شلحت - دارالمشرق - الطبعة الثانية.

17) و فيات الاعيان و انباء ابناء الزمان - لابن خلكان - حققّه الدكتور احسان عباس دارالثقافة - بيروت